معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 118
دلّ ما جاء في هذا التّعليم على أنّ فريقا من سفهاء قومه، صاروا يصفونه بالرّجل الضّالّ، وسيلة إعلاميّة لصدّ النّاس عنه، بعد أن أخذ الّذين يستجيبون لدعوته يتكاثرون.
هذا التّعليم مشبع بالرّفق والنّزاهة والحكمة في الرّدّ، فليس فيه ردّ الشّتيمة بمثلها ولا بأدنى منها، بل فيه ترديد الأمر بين احتمالين، والإجابة على كلّ من الاحتمالين، وفيه أخيرا إلماح إلى عقاب اللّه السّميع القريب، الّذي من عدله أن يعاقب مستحقّي العقاب، الّذين يشتمون رسول ربّهم بأنّه ضالّ، ليصدّوا النّاس عنه وعن دعوته إلى سبيل ربّه.
* قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ..: أي: إن كنت ضللت عن صراط الحقّ والرّشاد، وابتعدت عن الحقّ والخير والهدى، وأتابع مسيرتي ضالّا، فإنّي لا أضلّ إلّا جانيا على نفسي، إذ أعرّضها للعقاب من ربّي الحكم العدل، فكلّ من ضلّ مريدا مختارا عالما بما اختار من ضلال، فلا بدّ أن يستحقّ عقاب ضلاله بمقتضى عدل اللّه العزيز الحكيم، ولن يتركني أنتصر، بل سيأخذني بعدله.
وفي هذا تعريض للّذين افتروا عليه واتّهموه بالضّلال، وهم يعلمون أنّه على هدى من ربّه، وإشارة ضمنيّة بأنّهم يعرّضون نفوسهم لعقاب اللّه الشّديد يوم الدّين، وخذلان عاجل في الدّنيا.
* .. وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ..: أي: وإن كنت اهتديت وأتابع مسيرتي مهديّا وهاديا، فليس هذا منّي، بل بسبب ما يوحي إليّ ربّي، من بيانات ينزّل عليّ آياتها، وهي ما أبلّغه للنّاس عنه، فتدبّروها إن شئتم وقارنوا بينها وبين أعمالي وما أدعو إليه.
* .. إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) : أي: إنّ ربّي سميع لأقوالكم