معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 155
بنات اللّه، وهم من المشركين، ثمّ يعمّ النّصّ كلّ الّذين زعموا أنّ للّه ولدا، كالنصارى الّذين قالوا: عيسى ابن اللّه سبحانه وتعالى عمّا يصفون:
* لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4) :
كان بعض المشركين يزعمون أنّ"اللّات، والعزّى، ومناة"بنات اللّه، هذه الأوثان تماثيل لنساء، وهي بالتجربة مع الوقائع لا تجلب لعابديها نفعا، ولا تدفع عنهم ضرّا.
ومن باب مخاطبة المشركين على مقادير مداركهم الفكريّة بالنّسبة إلى هذه القضيّة، يبيّن اللّه لهم سفاهتهم وضعف عقولهم، إذ يجعلون هذه الأوثان أو من ترمز إليهن هذه الأوثان، بنات اللّه.
لو أراد اللّه أن يتّخذ ولدا بالتّبنّي، إذ وجود ولد للّه على وجه الحقيقة مستحيل عقلا، لاصطفى لنفسه ممّا يخلق مخلوقا عظيما جدّا، قادرا على السّيطرة على نجوم السّماء، وعلى خلق ما يشاء، ولم يصطف لنفسه مثل هذه الأوثان الحقيرة الّتي لا تملك لغيرها ولا لأنفسها جلب نفع أو دفع ضرّ، إنّه الواحد في ربوبيّته، القهّار في الإيجاد والإعدام.
القهّار: صيغة مبالغة لاسم الفاعل"القاهر"وهو اسم من أسماء اللّه الحسنى، ومعناه الغالب الّذي لا يحدّ غلبته شيء، المجبر على ما يريد إيجاده أو إعدامه أو أيّ تصرّف فيه.
أي: وإذ هو قهّار يفعل بوحدانيّته ما يريد، فلا حاجة له إلى أن يتّخذ ولدا يعينه في أعمال ربوبيّته لكونه.
أمّا الملائكة وسائر الأسباب الكونيّة فهي تعمل بأمره وخلقه،