معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 209
* أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) .
أي: أفمن يتّقي سوء العذاب بوجهه الّذي يوجّهه للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا، بعيدا عن كلّ شرك بربوبيّة اللّه وإلهيّته، وقال كما قال إبراهيم عليه السّلام الّذي سبق بيانه وتدبّره في سورة (الأنعام/ 55 نزول) :
* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) .
كمن يكون من الكافرين الظّالمين الّذين لا يتّقون بتوجيه وجوههم للرّبّ الّذي فطرهم وفطر السّماوات والأرض، فهم يسيرون في حياتهم في سبل الغيّ والضّلال، تسوقهم أو تقودهم الشّياطين، من شياطين الإنس وشياطين الجنّ، إلى جحيم عذابهم الدّائم الخالد يوم القيامة.
فإذا كبكبوا في دار العذاب النّار يوم الدّين يقال لهم عند إلقائهم وبعده: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: أي: ذوقوا عذاب ما كنتم تكسبون في الحياة الدّنيا من ظلم هو من دركة الكفر الّذي تستحقّون عليه الخلود في النّار.
ولما كان عذابهم مكافئا لظلمهم كان أدقّ تعبير عن المكافأة دون زيادة عليها ولو مثقال ذرّة، أن يقال لهم: ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ.
جاء التّعبير عن الإحساس بأنواع العذاب بالذّوق على سبيل الاستعارة، لأنّ حاسّة الذّوق أشدّ المواضع إحساسا بما يلامسها.
إنّ عبارة: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا يصحّ أن تفهم دون استخراج المطويّ فيها، وهو كما يلي: أَفَمَنْ يَتَّقِي في الدّنيا بِوَجْهِهِ الّذي يوجّهه للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا سُوءَ الْعَذابِ