معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 208
تفارق حكمته، ومن نحى منحى الجبر فقد أخطأ في فهم الآية، إذ التّوفيق الرّبّانيّ جاء ضمن قانون ربّانيّ أيضا مبني على عمل اختياريّ كان من العبد وهو إيمانه الصّادق الّذي نشأ عنه خشيته ربّه.
أمّا من كفر ابتداء بربّه، فلم يخش عقابه، سهّل اللّه له في رحلة امتحانه مسالك ضلاله، وأمدّه بعطاءات ربوبيّته ليكتسب بها ما يشاء من جرائم وآثام، ومن سار في سبل ضلاله باختياره الحرّ، النّاشئ عن كفره بربّه وعدم خشيته عقابه وعذابه، حكم اللّه عليه بالضّلال، ومن يحكم اللّه عليه بالضّلال فما له من هاد يهديه، إذ الحكم بين العباد للّه وحده، هو الّذي يحكم بالضّلالة لمن هو أهل لها، وهو الّذي يحكم بالهداية لمن كان مهديّا، وكلّ ذلك بمشيئته المطلقة الّتي لا تفارق حكمته، ولا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته، لكنّ كمالها يجعل كلّ ما يصدر عنها حقّا وعدلا أو فضلا وإحسانا.
وليس من الحكمة أن يخالف اللّه سنّته في امتحان عباده فيسلبهم اختيارهم وهم موضوعون موضع الامتحان، أو يمنع عنهم إمدادهم بالقوى في حالة معصيتهم له.
وعلى المتفكّر أن يضع نصب عينيه دواما، أنّ من وضع يده في النّار باختياره الحرّ، أحرق اللّه له يده ضمن سنّته في كلّ عباده، ومن تحسّى سمّا قاتلا قتله اللّه بسمّه الّذي تجرّعه، ضمن سنّته في كلّ عباده.
كذلك من كفر باللّه وبما أنزل اللّه من بيانات، وجد سبل الضّلال ميسّرة أمامه، ومن آمن باللّه وبما أنزل اللّه من بيانات، وجد صراط الهدى ميسّرا أمامه، وأعانه اللّه وزاده توفيقا، ليزيد من درجاته، ويرفعه في المراتب على مقدار قوّة إيمانه.
قول اللّه تعالى: