معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 213
تمهيد:
في هاتين الآيتين متابعة للحديث عن القرآن، الّذي جاء طرف منه:
(1) في الآيتين (1 و2) من هذه السّورة.
(2) وفي الآية (23) وكان البيان فيها مشتملا على سبع قضايا.
التدبّر التحليلي:
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم مؤكّدا بعبارة: وَلَقَدْ الّتي فيها اللّام الواقعة في جواب قسم منويّ على ما يذكر المعربون، وفيها حرف"قد"الّذي يدلّ على التّحقيق، مراعاة لحال المستهينين بعظمة القرآن.
* .. ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ..:
أي: ذكرنا للنّاس في هذا القرآن من كلّ مثل يقاس عليه للاعتبار، أو لمعرفة حكم دينيّ في قضيّة لها أشباه ونظائر، يقاس عليها، أو لتقريب حقيقة موجود غير مشهود، بذكر مشهود يمكن أن يقاس عليه، أو بتشبيه أمر معنويّ بأمر آخر يدرك بالحسّ لتقريب إدراك حقيقته وإدراك النّتائج الّتي يؤول إليها.
المثل: يطلق على الشّيء الّذي يضرب لشيء آخر للدّلالة على أنّه شبيهه، فيدّعى أنّه مثله.
والمراد بالتّعميم الوارد بعبارة: مِنْ كُلِّ مَثَلٍ: أنّ كلّ قضيّة هي من القضايا الدّينيّة، ولها أشباه ونظائر تقاس عليها. قد ضرب اللّه منها مثلا أو أكثر ليقاس عليه أشباهه ونظائره، فيعطى للمقيس من النّتيجة أو الحكم، مثل ما ثبت للمقيس عليه.
في هذه الآية دليل على حجّيّة القياس، أقوى وأجلى من الأدلّة الّتي ذكرها علماء أصول الفقه على حجّيّته.