معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 321
المحكم، إلّا الّذين كفروا كفرا إراديّا بالحقّ، بعد أن ظهرت لهم أدلّة كونه حقّا، فستروا إدراكهم لها بجحودهم، ويجادلون لسترها بحيلهم وزخرف أقوالهم، وما يصطنعونه من أكاذيب ومفتريات.
والكافرون بالحقّ الرّبّانيّ يبطل اللّه سعيهم وأعمالهم الرّامية إلى إبطال الحقّ، ونصر باطلهم عليه، ويجعل عاقبتهم ذلّا وهزيمة وانكسارا، وخزيا وصغارا، ويحقّ اللّه الحقّ بكلماته ولو كره الكافرون، وتعلو في الأجواء راية: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (81) .
* ... فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4) : أي: فلا يخدعك أيّها المشاهد لأحوال النّاس إمهال اللّه لهم في رحلة امتحانهم، إذ جعلهم يتقلّبون متصرّفين آمنين في البلاد كما يشاءون، إقامة وسفرا وكسبا ومتاعات، كما يتصرّف غيرهم من النّاس، دون إنزال العقاب عليهم، فلهم ساعة يكونون فيها خزايا نادمين، بمقتضى حكمة اللّه وعدله، وعلى وفق سنّة إمهاله لعباده لقطع كلّ أعذارهم.
يقال لغة:"تقلّب في الأمور"أي: تصرّف فيها كيف شاء. و"تقلّب في البلاد"أي: تنقّل فيها حرّا آمنا.
قول اللّه تعالى:
* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) :
سبق في نجوم التّنزيل بيان إهلاك اللّه عزّ وجلّ كفّار قوم نوح عليه السّلام، وبيان إهلاك كفّار عاد وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب عليهما السّلام، وفرعون وملئه وجنودهم، وغيرهم من الكافرين برسل ربّهم، وقد أطلق اللّه عليهم عنوان"الأحزاب"في (11) موضعا من القران المجيد؛ لأنّ المؤمنين الصّادقين حزب واحد هو"حزب اللّه". أمّا الكافرون فلا يجمعهم حزب واحد، بل هم أحزاب متعدّدون.