معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 336
* .. وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) :
أصل التّذكّر استحضار المعلومة في الذّاكرة، بمعنى استحضارها في جهاز التّصوّر الحاضر في الدّماغ، والمراد بالتّذكّر في الاستعمالات القرآنيّة الأثر النّفسيّ والقلبيّ لحضور المعلومة الدّينيّة في الذّاكرة، إذ هو الدّافع لتوجيه الإرادة للسّلوك المطلوب في الدّين فعلا أو تركا.
وقد جاء في القرآن بيان أنّ هذا التّذكّر منحصر في أولي الألباب، وفي من ينيب.
أمّا أولوا الألباب: فهم أصحاب العقول الحصيفة النّظيفة الخالصة من الشّوائب، الواعية الدّرّاكة الّتي تعقل المعارف فتمسك بها، وتعقل نفوسهم عن اتّباع الهوى.
وأمّا الّذين ينيبون: فهم الّذين يرجعون آنا فآنا إلى ربّهم، وإلى طاعته، وإلى الاعتراف بالحقّ واتّباع سبيل الهدى، كلّما انحرفت نفوسهم عن سواء صراط الحقّ والخير والنّجاة والفلاح والسّعادة.
وهؤلاء هم أولو الألباب، فمن لديهم ألباب على الوصف الّذي سبق بيانه، توجّههم ألبابهم لأن يكونوا منيبين إلى ربّهم وإلى طاعته آنا فآنا.
والرّجوع إلى اللّه هو رجوع إلى الفطرة الّتي فطر اللّه عزّ وجلّ الناس عليها.
ولمّا كان كلّ بني آدم خطائين، بدوافع أهوائهم وشهواتهم، كان فضلاء المؤمنين المتّقين والأبرار والمحسنين منيبين إلى ربّهم آنا فآنا، بالرّجوع إلى سواء صراطه المستقيم.
يقال لغة:"أناب فلان إلى الشّيء ينيب"أي: رجع إليه مرّة فمرّة