معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 337
بتكرار، فالمنيب: هو ذو الرّجوع إلى اللّه دواما بقلبه ونفسه وفكره.
ومن هذا نفهم أنّ من صفات أولي الألباب أنّهم منيبون إلى ربّهم وإلى طاعته آنا فآنا، ارتقاء في التّقرّب إليه بالصّالحات، وعودا إلى خطّ الاستقامة كلّما انحرفوا عنه ولو قليلا.
قول اللّه تعالى خطابا للّذين يستجيبون لدعوة الحقّ الرّبّانيّة:
* فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) :
أي: فاعبدوا اللّه وحده، مخلصين له الدّين، لا تشركون بعبادته شيئا، ومن عبادة اللّه أن تسألوه أن يحقّق لكم مطالبكم لدنياكم وآخرتكم، وصحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ هذا رأس العبادة وأحد عناصرها الكبرى، ومن عبادته أن تدعوا إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم.
الدّعاء في اللّغة: النّداء ورفع الصّوت، ويأتي بمعنى السّؤال والطّلب، واستعمل الدّعاء في القرآن للدّلالة على مطلق العبادة، ومن العبادة الدّعوة إلى دين اللّه، وتبليغ ما أمر اللّه بتبليغه.
وقد جاء في الآيتين (18) و (19) من سورة (الجنّ/ 40 نزول) استعمال الدّعاء بمعنى العبادة، ويدخل في عبادة اللّه تبليغ دينه، وتبليغ آيات كتابه المجيد، وشرح معانيها، والإقناع بما تدلّ عليه من حقّ وخير وهدى وفضائل، وهذا التّبليغ من أفضل العبادات وأجلّها، وهو وظيفة المرسلين الكبرى. ومن استعمال القرآن الدّعاء بمعنى العبادة: أَتَدْعُونَ بَعْلًا والَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ* وقُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: تعبدون.
وتدلّ عبارة: .. وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) في الآية هنا على أنّ المطلوب الأوّل من عبادة اللّه الّتي دلّ عليها: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ..
هو الدّعوة إلى دين اللّه، وتبليغ آيات كتابه، وبيان الحقّ الرّبّانيّ الّذي جاء فيها.