معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 346
* يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (19) :
أي: يعلم اللّه كلّ شيء، ومنه ما تختلسه العيون بالنّظر السّريع، على سبيل الخيانة إذ لا حقّ لها بهذا الاختلاس، الّذي فيه اطّلاع على عورات النّاس، وكلّ معصية للّه عزّ وجلّ بالأعين هو من خائنة الأعين، ويعلم ما تخفي الصّدور فلا يظهره أصحابها، وممّا تخفي الصّدور الكفر الّذي يخفيه المنافقون، والرّياء الّذي يخفيه المراءون، والكراهية الّتي يخفيها الكارهون، والحبّ الّذي يخفيه المحبّون، ومنه النّيّات والإرادات والرّغبات، إلى غير ذلك من أمور كثيرة جدّا.
قول اللّه تعالى يتابع التّعليم الدّعويّ:
* وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) :
* وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ في كلّ قضاء يقضيه في الدّنيا والآخرة، فهو يوم القيامة يقضي بين عباده لهم أو عليهم، قضاء متّصفا بالحقّ فلا يظلم أحدا مثقال ذرّة ولا أقلّ من ذلك.
أمّا المحسنون فيضاعف لهم أعمالهم وأجورهم عليها أضعافا كثيرة جدّا، ويجزيهم بفضله جزاء وفيرا.
وأمّا المسيئون فيتجاوز عن كثير من سيّئاتهم، فلا يعاقبهم عليها، رحمة منه بهم، وتفضّلا عليهم.
* وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ:
أي: والّذين يعبدهم المشركون من دون اللّه، لا يقضون بين العباد بشيء، لا بحقّ ولا بباطل؛ لأنّهم لا يملكون حكما ولا سلطانا على شيء، حتّى يكون لهم قضاء ما، وهم لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا، إذ كلّ أمورهم مملوكة للّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- وينفذ لهم أو عليهم ما يتمّ به قضاء اللّه.