فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 371
عند اللّه وعند الّذين آمنوا، لانكشاف مراوغاتهم وحيلهم الجداليّة، للإيهام بأنّ الحقّ الرّبّانيّ باطل، وللإيهام بأنّ باطلهم حقّ، دلّ على هذا الخبر عبارة: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا الّتي جيء بها لإنشاء الذّم.
إنّ من الأمور الفطريّة في النّفوس أن يمقت المؤمنون دعاة الحقّ، من يظهر لهم أنّه يراوغ ويحتال ويكذب ويضلّل في جداله لينصر باطله ويوهم أنّه حقّ، ويوهم أنّ الحقّ باطل.
* .. كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وفي القراءة الأخرى: [كذلك يطبع اللّه على كلّ قلب متكبّر جبّار] بتنوين لفظ"قلب".
الطّبع في المادّيّات الملموسة كالختم، وقد كان من عادة الملوك وغيرهم إذا أرسلوا رسائل، وأرادوا المحافظة على سرّيّة ما فيها، أقفلوها بإحكام، ووضعوا عند مكان إقفالها طينا خاصّا يطبعون عليه خاتمهم الخاصّ بهم، فيجفّ الطّين ومثال الخاتم عليه مطبوع، فلا يعرف ما في داخل الرّسالة إلّا بكسر خاتم الطّين.
وعلى سبيل التوسّع في التّعبير بنقل ما هو للمادّيّات للمعنويّات، جاء في القرآن المجيد التعبير بالطّبع وبالختم على القلوب، للدّلالة على أنّها صارت محجوبة عن إدراك أيّ شيء يتعلّق بما هي محجوبة عنه.
وطبع اللّه على القلوب لا يكون بصورة ابتدائيّة جبريّة، ولكن يكون نتيجة ما يكسبه العبد بإرادته، من أعمال ظاهرة أو باطنة، وهذه الأعمال يتولّد عنها الطّبع، بمقتضى سنّة اللّه في عباده، ضمن قوانين الأسباب والمسبّبات الثابتة.
وقوانين الأسباب والمسبّبات إنّما تتحقّق نتائجها بخلق اللّه.