معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 388
وأنتم في دار العذاب نعذّب، وكلّ واحد منّا يعذّب بالعدل على مقدار ما قدّم في الدّنيا حياة الامتحان من كفر وجرائم وآثام، باختياره الحرّ.
إنّ اللّه قد حكم بين العباد جميعا بالفضل والعدل، فلم يحكم عليكم بأكثر ممّا تستحقّون من عذاب، وما كنتم فيه مكرهين لم يحاسبكم اللّه عليه، فلا نحمل عنكم شيئا من عذابكم الّذي تستحقّونه، ولا نستطيع ذلك، ولا نستطيع أن نكفّ أو نصرف عنكم شيئا من العذاب؛ لأنّ اللّه قد حكم بين العباد جميعا، والحكم له وحده لا شريك له.
في عرض هذا التّخاصم المقترن بتقديم كلّ من الفريقين ما لديه من حجّة، وبصورته العامّة الشّاملة لكلّ الأتباع والمتبوعين، إشارة إلى أنّ جنود فرعون الّذين ليسوا من آله، والّذين لم يتعرّض آخر الدّرس السّابق السّابع لبيان إدخالهم في دار العذاب النّار، سوف يدخلونها مع آل فرعون بسبب كفرهم الإرادي، وجرائمهم الّتي كانوا يرتكبونها بإرادتهم الحرّة، ولا يستثنى منهم إلّا المسوقون بالإكراه، وهم مؤمنون غير راضين عن أعمال فرعون وآله، إن وجد من هؤلاء أحد في جيش فرعون، الّذي أدركه الغرق الشّامل.
قول اللّه تعالى يبيّن مشهدا آخر من مشاهد أصحاب النار وهم يعذّبون فيها:
* وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (49) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (50) :
أي: وقال الّذين يعذّبون في النّار بعذاب أبديّ لكفرهم، موجّهين قولهم لخزنة جهنّم، يستعطفونهم بتذلّل وخضوع: ادعوا ربّكم دعاء يخفّف به عنّا يوما من العذاب.