معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 85
* يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) : أي: يا أيّها المتدثّر بثيابه، القابع في بيته، المذعور من رؤية الملك جبريل على هيئة عظيمة بين السّماء والأرض جالسا على كرسيّ، أنت مدعوّ للقيام بمهمّة جليلة خطيرة.
* قُمْ فَأَنْذِرْ (2) : أي: دع الجلوس والسّكون قابعا في دارك عند أهلك، وقم ناهضا لتؤدّي وظائف رسالتك الّتي يكلّفك ربّك أن تؤدّيها.
فأنذر: الإنذار: الإعلام والإخبار بعواقب غير سارّة، كشرّ قادم، أو عقوبة على مكتسب إراديّ من قول أو عمل أو اعتقاد، وكذلك التحذير من مخوف منه مادّيّ أو معنويّ.
والإنذار بعقاب اللّه يوم القيامة يكون بعد بلاغ مسائل الدّين للمنذرين، وتعريفهم بأركان الإيمان، ودعوتهم إلى الإيمان بربّهم لا شريك له، وإلى عبادته وحده لا شريك له، فإذا كذّب المبلّغون رسول ربّهم وكذّبوا بما يأتيهم به عن ربّه أنذرهم بعقابه يوم الدين.
لهذا كان علينا أن نفهم باللّزوم العقليّ أنّ جملة فَأَنْذِرْ تطوي في داخلها جملا كثيرة تدلّ على الوظائف الّتي يجب على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقوم بها قبل الإنذار، ولمّا كان الإنذار يأتي في آخرها بمقتضى التّسلسل الفكريّ والتربويّ، كان الاقتصار على ذكر عبارة: فَأَنْذِرْ دليلا عليها.
أي: قم فبلّغ رسالة ربّك، واشرحها، وأقم الدليل على عناصرها، للإقناع بها، وبيّن للناس واجباتهم تجاه ربّهم، وبشّرهم بالأجر العظيم الذي أعدّه لمن يستجيب لدعوة الحقّ التي جئتهم بها، في جنات النعيم يوم الدين، وأخيرا أنذر الكفرة المكذبين بعذاب أليم خالد في دار العذاب النّار يوم الدّين.
وهذا من الإيجاز بحذف ما يعلم عن طريق اللّزوم العقلي، نظيره أن يقول السلطان الكبير لوزير التموين عنده الذي أصدر قرارا بمنع زراعة