معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 515
تكرّر في القرآن المجيد التّنبيه على آيتي اللّيل والنّهار من آيات اللّه في كونه، وعلى آيتي الشّمس والقمر من آياته جلّ جلاله، لما في هذه الآيات من دلالة عظيمة على قدرة اللّه الكبرى وعلمه المحيط بكلّ شيء علما، وحكمته البالغة، ومنّته على عباده في الأرض، وقد سبق في نجوم التّنزيل لدى تدبّر الآيات القرآنيّة الّتي جاء فيها ذكر هذه الآيات الكونية، شرح وتفصيل ما يتعلّق بها بمقدار ما فتح اللّه.
وقد جاء هنا التّنبيه على هذه الآيات، توطئة للنّهي عن السّجود للشّمس والقمر، اللّذين يرتبط بهما اللّيل والنّهار في الظّواهر الكونيّة الخاصّة بالأرض وسكّانها.
ولمّا كان في النّاس من يسجد للشّمس أو القمر عبادة لهما، كصابئة العراق، ويمنيّي سبأ في عهد بلقيس وقبله، وربّما استمرّ لهم وجود بعدها، وكانت رسالة الإسلام للنّاس عامّة، كان من الحكمة اشتمال القرآن المجيد على بيان يتعلّق بالنّهي عن عبادة الشّمس والقمر، ومن مظاهرها لدى عبّادهما السّجود لهما، وكان من الحكمة بيان أنّهما خلق من خلق اللّه في كونه، وكذلك اللّيل والنّهار.
* .. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: أي: إن كنتم تفردون اللّه بعبادته، ولا تشركون بعبادته شيئا، بمعنى: إن كنتم تريدون نجاة أنفسكم من العذاب على الشّرك.
استفيد القصر من تقديم المفعول به إِيَّاهُ على الفعل العامل فيه تَعْبُدُونَ. والخطاب موجّه للّذين يسجدون للشّمس أو القمر، سواء أكان لهم وجود في بعض قبائل العرب أو أفراد منهم، أو لم يكن لهم وجود في العرب، إذ كان لهم وجود حتما في أمم أخرى كصابئة العراق، ومن يتابعهم على مذهبهم الشّركيّ.