معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 98
القضيّة الأولى: معالجة إقناع المشركين بشأن إنكارهم تنزّل نجوم القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ربّ السّماوات والأرض العزيز الحميد الحكيم القدير، ينزل بها أمين الوحي جبريل عليه السّلام عبر السّماوات ليبلّغها رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم، وبشأن إنكارهم أنّ محمّدا يبلّغ هذه النجوم القرآنيّة للنّاس عن ربّه صادقا، غير متوهّم ولا كاذب.
القضيّة الثانية: معالجة إقناع المشركين بشأن اصطفاء اللّه رسوله بآية العروج به إلى السّماوات العلى، حتّى بلوغه سدرة المنتهى.
إنّ تكذيب المشركين لرسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لا يستند إلى تشكّك في كمال صفاته، فقد خبروه في كلّ ما سلف من عمره فيهم، فعرفوا أنّه أمين وصادق وذو خلق عظيم، ولم يعهدوا أنّه كذب كذبة واحدة في حياته، ولا خان أدنى خيانة.
إنما استند تكذيبهم إلى مجرّد استبعاد واستغراب أن ينزّل اللّه على محمّد الوحي تباعا من السّماء في أوقات قصيرة من اللّيل أو من النّهار، مع تباعد مسافات آفاق السّماء عن الأرض، وأن يصطفيه بالعروج به إلى السّماوات العلى حتّى سدرة المنتهى في ساعات من اللّيل.
فكان من المناسب أن يشهد اللّه له بالصّدق، مؤكّدا شهادته بقسم يتضمّن الإشارة إلى قدرته عزّ وجلّ على تقدير سرعات حركة الأشياء، وإخضاع كلّ منها إلى نظام من السّرعة يختلف عن غيره.
وقد كان النّاس إبّان تنزيل القرآن لا يعرفون من السّرعات العاليات إلّا سرعة البرق، وسرعة خرور الشّهب من السّماء إلى الأرض، ويعتبرونها نجوما.
والشّهب السماويّة تدخل تحت عموم لفظة"النجم"الدالّ على كلّ جرم سماويّ مضيء، لأنّ الشّهب مهما عظمت هي أجرام سماويّة صغرى بالنسبة إلى النجوم العظيمة العليا، ومعظم هذه الأجرام الصغرى أجرام