معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 527
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44) :
أي: إنّهم موغلون في تيه الكفر والضّلال عن صراط الحقّ والهداية، فهم بعيدون جدّا عن داعي الحقّ بعدا شاسعا، فلا يسمعون نداءه لهم حينما يدعوهم إلى دين اللّه الحقّ.
وهذه العبارة واردة في الكنايات المستعملة عند العرب، قال الفرّاء: تقول للرّجل الّذي لا يفهم كلامك: أنت تنادى من مكان بعيد.
ولمّا كان من سنّة اللّه عزّ وجلّ أن لا يعجّل العقوبات على الكفر في الحياة الدّنيا، بل يؤخّر ذلك إلى يوم الدّين، تنفيذا لكلمة عبّر اللّه بها عن تقديره وقضائه بهذا الشّأن، كان من الحكمة أن يضرب اللّه مثلا عن كفر بعض بني إسرائيل بالتّوراة، وتأجيل معاقبة الّذين كفروا به إلى يوم القيامة، فقال اللّه تعالى في آخر هذا الدّرس بضمير المتكلّم العظيم:
* وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) :
أي: ولقد آتينا موسى كتاب التّوراة، فاختلف فيه بنو إسرائيل، فآمن به فريق منهم، وكفر به فريق منهم، ولم نقض بين مؤمنيهم وكافريهم في الحياة الدّنيا، بل أخّرنا ذلك ليوم القيامة تنفيذا لكلمتنا الّتي سبقت بهذا الأمر.
وكذلك الحال تكون معاملتنا للمكذّبين الكافرين بالقرآن من أمّتك يا محمّد، إذا اقتصر أمرهم على التّكذيب والكفر، ولم يرتكبوا شرورا كبرى تستدعي تطهير المجتمع البشريّ منهم، لتأثيرهم على إرادات النّاس الحرّة، الموضوعين بمقتضاها موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا.
* وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ: تتضمّن تأجيل عقاب الكافرين على كفرهم إلى يوم الدّين، وهي كلمة عبّرت عن قضاء اللّه وقدره بهذا الشّأن.