فهرس الكتاب

الصفحة 7934 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 539

عليه، والابتعاد عمّا نهاه اللّه عنه، أو تركه طاعة له، فهو يستعمل نعم اللّه عليه في معصيته، فيترك ما أوجب عليه، ويفعل ما حرّم عليه، وهذا غاية في نكران نعمة المنعم، وغاية في مقابلة الإنعام بالجحود والكفران والعصيان.

هذا الفريق الكبير من أصناف أفراد الإنسان ينقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: من إذا أنعم اللّه عليه بنعم واسعة من متاعات الحياة الدّنيا، أعرض ولم يتّجه بصدره لمقابلة نعم اللّه عليه بطاعته له، والعمل بما يرضيه منه، بل مال وأخذ يتجافى بتثاقل شيئا فشيئا، راغبا في أن يخوض في معاصيه ومخالفاته مع الخائضين، وجاءت قراءة [و ناء بجانبه] دالّة على هذا القسم.

القسم الثّاني: نظير القسم الأوّل، إلّا أنّه يعرض عن مقابلة نعم اللّه عليه بطاعته له، والعمل بما يرضيه منه، ويتبع إعراضه بالنّأي والابتعاد بخفّة عن طاعة ربّه، والخوض السّريع في أوحال المعاصي والمخالفات، وجاءت قراءة: وَنَأى بِجانِبِهِ دالّة على هذا القسم.

ويوجد قسم ثالث سكت النّصّ عنه لأنّه أقلّ عددا من القسمين السّابقين، وهو قسم المدبرين إدبارا كاملا عن اللّه، فهو لا يكتفي ابتداء بالإعراض، وهو وسط بين الإقبال والإدبار، بل هو يدبر إدبارا كاملا، كافرا بربّه وبنعمه عليه، وغارقا في أوحال الجرائم الكبرى.

الصّفة الخامسة: دلّ عليها قول اللّه تعالى: .. وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) : أي: وإذا مسّه الشّرّ مسّا فآلمه هذا المسّ، كان ذا دعاء عريض لربّه، بأن يصرف اللّه عنه الشّرّ الذي مسّه.

وسبق آنفا بيان المراد بالشّرّ. ووصف اللّه عزّ وجلّ دعاءه بأنّه عريض، للدّلالة على أنّ صوته وهو يدعو يمتدّ بقوّته ذات اليمين وذات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت