معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 103
الهوى: هو ميل النّفس بقوّة إلى ما لها فيه لذّة أو متعة أو مسرّة أو شهوة أو مصلحة خاصّة، فهي تنجذب إليه باندفاع قويّ أرعن، دون بصيرة ولا رشد حتى يصل صاحبه إلى سحيق الهاوية.
ومن شأن الهوى أن يجعل صاحبه يهوي إلى ما فيه شرّ أو ضرّ أو فساد أو عذاب أليم، إذا اتّبعه واستجاب له. والعصمة منه تكون بالتمسّك بحقّ أو خير وهدى ضمن مؤثّر دينيّ، يغذّيه من اللّه والطّمع برضوانه وثوابه العظيم.
وكون الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينطق عن الهوى لا يدلّ على عصمته عن الخطأ في الاجتهاد في المسائل المأذون له بالاجتهاد فيها، أو الخطأ في القضاء بين الناس إذا قضى بنحو ما سمع من الخصمين، وكان أحدهما الحن بحجّته من الآخر، أو الخطأ في بعض الأمور الدنيويّة، كما جرى منه في قصّة تأبير النخل ونحو ذلك، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في كلّ هذا لم يكن قد نطق عن الهوى، بل نطق وهو حريص على أن يقول ما رأى أنّه الحقّ، أو الصواب، أو الأحسن والأفضل، أو الأحبّ إلى اللّه والأرضى له.
ولكنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعله بشرا عرضة لاحتمال أن يخطئ فيما أذن له بأن يجتهد فيه.
أمّا ما يبلّغه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوحي، وما يخبر به عمّا رأى، أو سمع، أو أدرك بأيّ حاسّة من حواسّه الظاهرة والباطنة، فهو فيه معصوم عصمة تامّة عن الكذب وعن الخطأ، بعصمة له من اللّه عزّ وجلّ.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) :
بعد القسم بالنجم حين يهوي، الذي أشار اللّه عزّ وجلّ به إلى خطأ المشركين في مفهوماتهم لسرعات الأشياء، التي استبعدوا بالاستناد إليها