معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 102
أي: بل هو صادق فيما يبلّغ عن ربّه، وصادق في أنباء الأحداث الكبرى الّتي يكرمه اللّه بها، واع في مشاهداته لها.
وفي قول اللّه عزّ وجلّ خطابا للمشركين: صاحِبُكُمْ أي: الملازم لكم منذ نشأته وحتّى إنزال خطابي هذا لكم، إشارة إلى كمال صفاته الّتي كانوا يعلمونها فيه، وكمال أخلاقه العظيمة الّتي كانت فيما بينهم هي المثل الأعلى بين الناس.
أي: فطول صحبتكم له كافية لأن تكشف لكم أنّه لا يمكن أن يكذب على ربّه، وقد تنزّه طوال حياته السّابقة عن أن يكذب على النّاس في أيّ أمر صغير أو كبير، ولا يمكن أن يكون متوهمّا وهو الكامل في وعيه، والكامل في صفاته النفسيّة، على ما تعلمون من أمره.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) :
في هذه الآية تأكيد كون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن غاويا في بلاغاته عن ربّه، ولا في إخباره بما جرى له من أحداث العروج به إلى السّماوات العلا، لأنّ من شأن الغاوي أن ينطق عن الهوى.
أي: وما ينطق بما ينطق به صادرا عن توجيه الهوى وتأثيره.
ولدفع احتمال تعرّضه لمؤثرات الهوى بعد إعلانه نبوّته ورسالته، جاءت الآية معطوفة بحرف العطف (الواو) . ولو لا هذا لكان المناسب أن تكون خالية منه، إذ يلزم عقلا من كونه ما ضلّ وما غوى فيما تلقّى عن ربّه وفيما شاهد فيما مضى، أنّه لا ينطق عن الهوى الآن ولا مستقبلا.
فإيرادها معطوفة يجعلها مسوقة مساق جملة تؤسّس فكرة جديدة، مع ما فيها من تأكيد لمضمون ما قبلها أو للازمه الفكريّ.