معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 576
وجاء في القرآن بيان أنّ اللّه هو الحفيظ وهو الوكيل على عباده وكلّ كونه.
فالمراد بكون اللّه حفيظا على عباده أنّه- جلّ جلاله- مهيمن على عباده بسلطانه الجبري، يحفظهم ممّا في كونه ممّا يسوءهم أو يؤذيهم أو يضرّهم أو يكون شرّا لهم من عوارض ما في كونه، إذا لم يكن له بشيء منه قضاء وقدر. ويحفظ ما يصدر عنهم من أعمال اختياريّة تدخل في محاسبتهم بعلمه، وبما يسجّل الملائكة المكلّفون أن يكتبوا أعمال العباد الموضوعين في الحياة الدّنيا موضع الامتحان، وبما جعل في أجسام العباد أنفسهم من مسجّلات تشهد بها أعضاؤهم عليهم يوم القيامة.
والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك شيئا من ذلك، وليس مسؤولا عن حفظ أحد من أمّته بسلطان جبريّ عن شيء من الكفر والعصيان، بل هو مبلّغ ما أمره بتبليغه الرّحمن، وناصح ومرشد، ومبشّر ومنذر، ثمّ هم مسؤولون عن إراداتهم واختياراتهم وأعمالهم عند ربّهم.
والمراد بكون اللّه جلّ جلاله وكيلا على كلّ شيء، أنّه هو القائم دواما بحفظ كلّ شيء خلقه، وهو المتصرّف فيه تصرّفا يشمل كلّ جزء من أجزائه مهما كان صغيرا، إيجادا وإعداما، وإمدادا، وتغييرا، ويشمل ابتلاء من منحهم الإرادة الحرّة، ويشمل التّربية والجزاء.
فما من أصغر جزء من أجزاء كلّ ذرّة في الكون كلّه، إلّا هو خاضع لصفات ربوبيّة اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه.
فمعنى كون اللّه عزّ وجلّ وكيلا على كلّ شيء صار في الاصطلاح الدّينيّ يشمل هذه المفهومات.
والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يملك شيئا منها، فهو ليس وكيلا على أحد من أمّته.
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بضمير المتكلّم العظيم: