معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 626
يعفو: أي: يمحو ويزيل الأثر، يقال لغة:"عفت الريح الأثر"أي:
محته ودرسته، فلم تبق في مكانه شيئا يدلّ عليه.
فاللّه عزّ وجلّ يتفضّل على عباده فيمحو سيّئاتهم محوا كاملا، فلا يبقي لها أثرا.
وضمّن فعل:"يعفو"معنى فعل:"يتجاوز"فعدّي تعديته بحرف"عن"أي: فاللّه يمحو أثر سيّئات عباده المؤمنين التائبين متجاوزا عنها.
والعفو: درجة أعلى من درجة المغفرة؛ لأنّ العفو محو، أمّا المغفرة فستر. والسّيّئات: تشمل صغرى المعاصي وكبراها، ويراد بها في كثير من النصوص صغراها.
والتفت البيان من الغيبة إلى الخطاب، فقال اللّه تعالى لعباده:
وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25) : أي: وهو جلّ جلاله وأحاط علمه بكلّ شيء، يعلم كلّ ما تفعلون، من أعمال ظاهرة وأعمال باطنة، جسديّة ونفسيّة، لا تخفى عليه منكم خافية.
وفي القراءة الأخرى دون التفات: .. ويعلم ما يفعلون، فتكاملت القراءتان في الأداء البياني خطابا وغيبة.
قول اللّه تعالى متابعا بيانه بشأن فريقي المؤمنين والكافرين:
* وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26) :
أي: فالّذين تابوا فآمنوا وعملوا الصالحات المعبّرات عن صحّة إيمانهم وصدقهم فيه، يستجيبون لما يتلقّون تباعا من أوامر اللّه ونواهيه، آنا فآنا، وكان هذا البيان بمثابة إعداد نفوسهم وقلوبهم، لاستقبال ما سينزل من أحكام وأوامر ونواهي بعد سورة (الشّورى) من سور.