معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 630
شنيعا، قد تقتضي الحكمة من بعده إبادتهم، لتطهير الأرض من شرورهم.
ولكن جعل تبارك وتعالى إمدادهم بالرّزق مقدّرا بالمقادير الّتي تقتضيها مشيئته الحكيمة، إذ هو عليم بنفوس عباده وتصرّفاتهم علم خبرة، وبصير بكلّ شيء في كونه، فلا يخفى عليه شيء ممّا يمكن إبصاره بالإمكان العقلي.
قول اللّه تعالى:
* وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) :
الغيث: المطر، وقيل: الخاصّ بالخير من المطر، أقول: هذا هو الأظهر، واللّه أعلم.
القنوط: أشدّ اليأس. يقال لغة:"قنط، يقنط، ويقنط، قنوطا، وقناطة"أي: يئس أشدّ اليأس. ويقال أيضا:"قنط، يقنط".
* وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ: أي: وينشر آثار رحمته بعباده، بعد إنزال الغيث، أرزاقا وإنعامات كثيرات على مساحات واسعات من الأرض يستمتع بها العباد.
الوليّ: هنا بمعنى الرّبّ المنعم، من معانيه الكثيرة، وهو اسم من أسماء اللّه الحسنى.
الحميد: أي: المحمود حمدا كثيرا عظيما على كلّ صفاته وأفعاله، إذ له- جلّ جلاله- الحمد كلّه.
أي: ومن سنّة اللّه تبارك وتعالى إذا ضيّق الرّزق على عباده، أن يحبس الغيث، وبحبسه يحدث قحط في الأرض، حتّى تحدث مجاعات، وقد يطيل اللّه زمن القحط على العباد، حتّى يشتدّ يأسهم ويقنطوا من استئناف إمداد اللّه لهم بالغيث.