فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 110

ولم يقتصر الأمر على مشاهدة واحدة، بل جعلها اللّه عزّ وجلّ مرّتين، زيادة في تأكيد الإثبات البرهانيّ، وليتمّ تعرّف الرسول على شخصيّة جبريل، حتّى إذا جاءه بعد ذلك بأيّة صورة تمثيليّة، أو بتنزّل مسموع الصّوت غير مرئيّ الذّات عرفه، ولم يخف عليه.

وهذه المشاهدة الثانية سيأتي في هذا الدّرس ذكر لها.

فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) : أي: فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى عبده محمّد عن طريق رسول الوحي جبريل ما أوحاه إليه، ولمّا كان ما أوحاه جبريل للرسول محمد أثرا من آثار خلق اللّه جاء التعبير بأسلوب أنّ اللّه هو الذي أوحى لعبده محمد ما أوحى به إليه.

ولم يأت في النصّ بيان لهذا الذي أوحى اللّه به إلى رسوله، لأنّ الغرض بيان ظاهرة الوحي، أمّا الموحى به إلى الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فالرسول قائم بتبليغ ما أمره اللّه بتبليغه للنّاس، لا يكتم منه شيئا. ولم يكتم منه شيئا.

* قول اللّه عزّ وجلّ:

ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) .

الفؤاد: عمق القلب الذي هو أداة الإدراك في الإنسان، ومركز استقرار العلوم والمعارف، وتنطلق منه الإرادات.

إنّه لما كان مشهد ظهور جبريل بصورته العظيمة الّتي تملأ الأفق أمرا من الوضوح والتحقّق التّامّ بالغا الغاية، كان نافذا إلى الفؤاد مركز عمق القلب، وهو شيء غير جهاز ضخ الدّمّ.

وهذا دليل يدلّ على أنّ الرّؤية الحقيقيّة هي الرّؤية النافذة إلى مركز الإدراك البصريّ في عمق الإنسان.

وقد أثبتت العلوم الحديثة أنّ العين أداة توصيل لصورة المرئيّ، وأنّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت