معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 638
فالمعنى: ومن آيات اللّه في كونه أنّه جعل من قوانينه، أن تطفو السّفن الكبرى المشبهة للجبال، وتجري بالرّياح عن طريق توجيه أشرعتها، ويقاس عليها السّفن الّتي تجري بالطّاقة الحراريّة المحرّكة لمكناتها ودواليبها.
وهو- جلّ جلاله وعظم سلطانه- إن يشأ يسكن الرّيح الّتي تتحرّك بأمره، وبإسكان الرّيح تتوقّف السّفن، فتكون رواكد سواكن لا تجري.
ويقاس على إسكان الرّيح تعطيل الآلات الّتي تتحرّك بالطّاقة الحراريّة، ولم يتعرّض النّصّ لها لأنّ الإنسان لم يكن قد توصّل إلى اكتشافها عند إنزال القرآن.
إنّ في هذه القوانين الكونيّة الدّالّة على أنّ اللّه قد أتقن كلّ شيء صنعا، والدّالّة على عناية اللّه عزّ وجلّ بعباده، لآيات كثيرات ذوات دلالات عظيمات على علم اللّه المحيط، وحكمته السّامية، وقدرته على ما يشاء، ولا يصل إلى إدراك دقائق إتقان صنع اللّه وتدابيره السّنيّة إلّا كلّ صبّار في البحث العلمي، ولا ينتفع بها لدينه ولآخرته إلّا كلّ شكور يشكر اللّه من مرتبة الأبرار أو مرتبة المحسنين.
فإن لم يسكن الرّياح فمن الاحتمالات أن يختار تحطيم السّفن، أو حبسها، أو تعطيلها وجعلها غير صالحة لأن تجري في البحر، لتأدية النّاس مصالحهم مسافرين على ظهورها.
وإن أنزل اللّه هذا العقاب لراكبي السّفن على بعض جرائمهم يعف عن كثير منها، ولا يجازيهم عليها كلّها، رحمة بهم وهم في الحياة الدّنيا، حياة الابتلاء.
وحين ينزل اللّه هذا العقاب بالمذنبين المجرمين، وحين يعرض في كتابه هذا البيان، فمن الأغراض أن يعلم الّذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم، والّذين جاء الحديث عنهم في سورة (غافر/ 40) أولى