معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 672
ثانيا:
ومن الفنون البلاغية النّفيسة في القرآن: الاستقطاع من الماضي أو المستقبل، وتقديم البيان كأنّه يجري الآن عند التكلّم.
ومن أمثلة هذا الاستقطاع في السورة ما يلي:
المثال الأوّل: قول اللّه عزّ وجلّ فيها خطابا لكلّ صالح للخطاب بأسلوب الخطاب الإفرادي، بشأن مشهد من مشاهد يوم القيامة:
* تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) :
لم يأت البيان بأسلوب: سوف ترى، بل جاء بأسلوب تقديم المشهد كأنّه يجري الآن، وهذا من الإبداع في البيان بمكان، مع ما فيه من توكيد أنّ المشهد سوف يجري لا محالة، وتحقّق وقوعه مستقبلا يسمح بأن يعبّر عنه بأنّه يجري مع زمن التكلّم.
المثال الثاني: قول اللّه عزّ وجلّ فيها أيضا بشأن المتحدّث عنهم في الآية السّابقة، ولكن بعد (21) آية في السّورة:
* .. وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) :
هذا النصّ شبيه بسابقه، مع حكاية أقوال مبنيّة عليه بأسلوب الحديث عن أمر مضى، إذ جاء بصيغة الفعل الماضي: وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا ... ، ووَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ ... ، فكأنّ المشهد قد انتهى عرضه، وجاءت بعده أقوال وبيانات تتعلّق به، تحكي أمرا مضى وانقضى، وفي هذا تصوير إبداعيّ آخر.