معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 696
وكلا المعنيين ينطبقان على واقع ما يتّصف به القرآن المجيد، فهو ظاهر واضح، ومظهر موضح، والقسم بالقرآن يدلّ على أنّه آية كبرى من آيات اللّه المعجزة، وإعجازه يدلّ على أنّه تنزيل من عند اللّه العزيز الحكيم.
قول اللّه تعالى:
* إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) :
هذا البيان هو جواب القسم بالكتاب المبين الّذي هو القرآن المجيد.
يتحدّث ربّنا بضمير المتكلّم العظيم فيبيّن أنّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- أنزل الكتاب المبين قرآنا عربيا، أي: يقرأ بلسان عربيّ، وخاطب اللّه الناطقين باللّسان العربيّ بقوله:
* لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: أي: رغبة في أن تعقلوا.
كلمة"لعلّ"للتّرجّي، ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ عليما بما سيكون من عباده، فإنّ معنى"التّرجّي"ينافي صفة تحقّق العلم عنده، لكنّ هذا المرجوّ مرغوب فيه، إذ هو مطلوب التحقّق، فكان حمل لفظ"لعلّ"على معنى الرّغبة هو الملائم هنا، فالمرغوب فيه مطلوب يرجى، وحين يسقط الرّجاء تبقى الرّغبة.
والعقل عقلان: عقل علميّ، وعقل إراديّ.
فالعقل العلميّ: ما تدرك به مسائل المعرفة، وتحفظ معقولة في الذّاكرة، وتستدعى إلى ساحة التّذكّر الحاضر عند الحاجة.
والعقل الإرادي: ما تضبط به النّفس عن اتباع الأهواء والشهوات