معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 700
أي: وأنبياء كثيرين أرسلناهم رسلا لنا في الأوّلين من الأمم والأقوام، وكان من حال هؤلاء الأوّلين من أهل القرون السّابقة، أنّهم كانوا ما يأتيهم من نبيّ رسولا يبلّغهم دين اللّه الحقّ، ومطلوب اللّه ربّهم منهم في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا، إلّا كانوا يستهزؤون به، وبما جاءهم به عن ربّهم، ولا سيّما الحياة الأخرى بعد الموت وفناء الأجساد والبعث.
ويقول اللّه عزّ وجلّ متحدّثا عن المعالجين في السّورة، الّذين خاطبهم في الآية الخامسة السّابقة، وملتفتا عن مخاطبتهم:
* فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) :
أي: فأهلكنا أقواما كثيرين كانوا أشدّ بطشا من كفّار أهل مكّة إبّان التّنزيل، مثل قوم نوح عليه السّلام، وعاد، وثمود، وأهل سدوم، وأهل مدين، وأصحاب الأيكة، وفرعون وملئه وجنودهم.
البطش: التّناول الشّديد عند الصّولة، السّطو في سرعة، الأخذ القويّ الشديد. تقول لغة:"بطش، يبطش، ويبطش، بطشا".
* ... وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) : أي: ومضى فيما سبق أن أنزل من سور في نجوم التّنزيل، قبل سورة (الزخرف/ 63 نزول) ذكر وصف كفر المهلكين الأوّلين، وتكذيبهم رسل ربّهم، وعنادهم، ومقاومتهم دعوات الحقّ، وذكر إهلاكهم بعد تعذيبهم واستئصالهم.
المثل: يأتي بمعنى الوصف، ومعلوم أنّ قصص الأوّلين هي وصف بيانيّ لما جرى منهم، ولما جرى عليهم أو لهم.
وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الأوّل من دروس سورة (الزّخرف) .
والحمد للّه على معونته ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.