معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 708
كتسخير العجماوات، وقد تكون بالاختيار الحرّ، لما في المطاوعة من مصلحة للمطاوع.
* وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ: أي: وما كنّا له مطيقين لو لا أن سخّره اللّه لنا، يقال لغة:"أقرن للشّيء"أي: أطاقه وقوي عليه.
* وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) :
أي: وإنّا إلى ربّنا لراجعون بعد الموت والبعث، للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
يقال لغة:"انقلب، ينقلب"أي: رجع يرجع.
جاء توكيد هذه العبارة بالمؤكدات:"إنّ- والجملة الاسمية- واللّام المزحلقة"والغرض الإعلان عن صدق إيمانهم بيوم الدّين، وما سوف يجري فيه، ممّا صحّت به الأخبار في كتاب اللّه وسنّة رسوله.
وقد علّم اللّه عزّ وجلّ المؤمنين أن يذكروا هذا الذّكر العظيم، لما فيه من تنزيه للّه عن كلّ ما لا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وحمد ضمنيّ يستلزمه التّنزيه بكلمة"سبحان"مع دلالة الثّناء على اللّه بتسخير المركوب، ولما فيه من اعتراف المؤمن بعجزه لو لا تسخير اللّه له ما سخّر في كونه لعباده، ولما فيه من إعلان الإيمان بيوم الدّين الّذي تكون فيه الرّجعة الكبرى إلى اللّه، بعد رحلة الابتلاء في الحياة الدّنيا، وفي العبارة طيّ الرّغبة في الرّجعة إلى مكان الإقامة، بعد رحلة السّفر على المركوب إلى غير مكان الإقامة، لقضاء مصالح وتحقيق منافع.
فكأنّ العبارة مع المطويّ فيها: سبحان اللّه، والحمد للّه، الّذي سخّر لنا هذا المركوب، وما كنّا له مطيقين لو لا أن سخّره اللّه لنا، ونسأله أن يعيدنا بعد قضاء حاجاتنا في سفرنا آمنين، وإنّا إلى حساب ربّنا، وفصل قضائه، وتحقيق جزائه، لراجعون يوم القيامة سعداء بإيماننا.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الثاني من دروس سورة (الزّخرف) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.