معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 707
وقد سبق تدبّر هذه الآية في موضعها من سورة (يس) وجاء في تدبّرها أنّ اللّه عزّ وجلّ اختار أن يجعل أجناس خلقه، وأنواعهم، وأصنافهم، وأفرادهم جميعا خاضعة لنظام الزّوجيّة، لئلّا يشارك اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- في صفة الأحديّة أحد.
الفلك: مركب البحر، يطلق على الواحد، والاثنين والجمع، ويذكّر ويؤنّث، فيقال: هي الفلك، وهو الفلك.
الأنعام: هي الأموال الراعية، وهي الإبل، والبقر، والغنم، ولفظ"الأنعام"يذكّر ويؤنّث، والمركوب من الأنعام الإبل، وهي في الصحراء بمثابة الفلك في البحر. وقد قيل:"الإبل سفائن البرّ".
* لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ: أي: لتكونوا راكبين باعتدال واستقامة على ظهور ما تركبون من فلك وأنعام، وفيما دون ظهور الفلك إذا كانت لها بطون يستوي عليها الرّاكبون باعتدال واستقامة، وهذا يفهم باللّزوم الذّهني.
* .. ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ: أي: ثمّ إذا استويتم على ما تركبون من الفلك والأنعام، وسار بكم آمنين، تذكرون نعمة ربّكم عليكم، إذ سخّر لكم أن تحملكم وأحمالكم سفن البحر بنظام متقن عجيب يجعلها تجري في الماء، فتصلون برحمة اللّه إلى بلاد لم تكونوا بالغيها إلّا بشقّ الأنفس، وسخّر لكم أن تحملكم الإبل في الفيافي وتحمل أحمالكم كذلك، ويقاس عليهما سائر المركوبات.
* .. وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) :
التّسخير: التّذليل والتّطويع لعمل ما أو أمر ما، وجعل الشّيء مطاوعا لما يراد منه ضمن قانون تسخيره، وهذه المطاوعة قد تكون بالطّبع، كتسخير الأشياء الّتي لا حياة لها، وقد تكون بالقوّة مع التّذليل،