معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 715
وفيها بيان انتقام اللّه من أمثالهم في القرون السّالفة، فهم يعرّضون أنفسهم بشركيّاتهم لانتقام اللّه منهم.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى يبيّن تعلّل المشركين لتسويغ شركيّاتهم بالقضاء والقدر، مع الرّدّ عليهم بأنّهم كذّابون يخرصون:
* وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) :
* وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ: يريدون بهذا القول أنّ عبادتهم لآلهتهم من دون اللّه، إنّما هي أمر جبريّ سبق به تقدير اللّه وقضاؤه، والأمور الجبريّة بقضاء اللّه وقدره لا تخضع لإرادات النّاس، فلا مسؤوليّة عليهم فيها، فإنذارهم بعذاب اللّه على شركيّاتهم مخالف لمنطق العقل وأحكام العدل الرّبّانيّة، ولهذا ردّ اللّه عزّ وجلّ عليهم بردّين:
الرّدّ الأوّل: أبانه تبارك وتعالى بقوله:
* ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ:
أي: ليس لهم دليل علميّ من برهان عقليّ، يثبت أنّهم في رحلة امتحانهم مجبورون فليس لهم إرادة حرّة يريدون بها ما يعبدون وما لا يعبدون، بل البرهان العقليّ والتّجريبيّ يثبت أنّهم ذوو إرادات حرّة يريدون بها ما يشاؤون من كلّ ما يخضع لتصرّفاتهم الإراديّة، وهم مسؤولون عمّا يفعلون بإراداتهم الحرّة.
وإن هم بادّعائهم هذا إلّا يخرصون."إن"حرف نفي بمعنى"ما".
الخرص: يأتي بمعنى الكذب، يقال لغة:"خرص يخرص"أي: