معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 118
حدود المشهود، بل رأى ما رأى مشاهدة حقيقيّة خالية عن زيغ وخالية عن طغيان.
إنّ من شأن من يرى مشاهد عظيمة عجيبة غريبة لم يسبق له أن شاهدها، ولا شاهد نظيرها، أن يزيغ بصره أو يطغى، فتختلط عليه المرئيّات، فيتوهّم أنّه رأى أشياء في المشهد الّذي وقع بصره عليه، مع أنّ هذه الأشياء لا وجود لها في ذات المشهد.
لكنّ اللّه عزّ وجلّ أمدّ رسوله بقوّة وتثبيت في رحلة المعراج، فلم يحدث في بصره زيغ ولا طغيان، وقد شهد اللّه له بهذا في قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) أي: فما يحدّث به محمّد عن مشاهداته في رحلة المعراج حقّ وصدق مستند إلى رؤية بصريّة صحيحة، لا زائغة ولا طاغية، وهذا يفهم لزوما.
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) : جاء تأكيد هذه الجملة باللّام التي تقع في جواب قسم، وبحرف"قد"الذي يؤتى به للتحقيق.
رَأى: أي: رؤية حسّيّة بصرية، بدليل ما جاء في الآية السابقة.
مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى: أي: من علامات عظمة ربّه وقدرته وسائر صفاته الجليلة. وكلمة الْكُبْرى إمّا أن تكون مفعولا به لفعل رَأى فيكون المعنى: لقد رأى الكبرى من آيات ربّه. وإمّا أن تكون صفة لكلمة (ءايت) فيكون المعنى: لقد رأى بعض ايات ربّه الكبرى.
الكبرى: مؤنّث أكبر الّتي هي"أفعل تفضيل".
فهل سدرة المنتهى هي الآية الكبرى من آيات اللّه في كونه، أو هي آية كبرى من ضمن آيات اللّه الكبرى، أو أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم رأى فوق سدرة المنتهى من آيات ربّه؟