معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 117
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) :
أي: رأى محمّد جبريل في النزلة الأخرى عند سدرة المنتهى حين كان يغشى السّدرة ما يغشى، أي: يجلّلها ويلابسها.
فما هذا الذي غشي السّدرة؟
إنّه أشياء ذات حسن عظيم لا يستطيع أحد من خلق اللّه أن ينعته من حسنه، كما جاء في حديث مسلم عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.
وجاء في حديث عند مسلم أيضا عن عبد اللّه بن مسعود، قال:
"فراش من ذهب".
وجاء في رواية:"و غشيها ألوان لا أدري ما هي".
وجاء في رواية:"غشيها نور من اللّه ما يستطيع أحد أن ينظر إليها".
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) : أي: ما زاغ بصر الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وما طغى. جاءت"ال"في البصر بدل الضمير المضاف إليه، أي: ما زاغ بصره، نظير ما جاء في قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) .
ما زاغَ: أي: ما مال ولا انحرف عن سوائه. أصل الزّيغ في اللّغة الميل والبعد، يقال: زاغ السّالك عن الطّريق، إذا عدل عنه ذات اليمين أو ذات الشّمال. وزاغ الفكر، إذا عدل عن الصّواب، وزاغ القلب، إذا عدل عن الحقّ والهدى.
وَما طَغى: أي: وما جاوز الحدّ في إدراكه لما شاهده. أصل الطغيان في اللّغة: تجاوز الحدّ الذي يكون الحقّ محدودا به.
دلّت هذه العبارة على أنّ مشاهدة الرّسول لما شاهد عند سدرة المنتهى قد كانت كلّها حقّا، لم يداخلها ولم يخالطها وهم ناشئ عن ميل وانحراف عن حدود المشهود، ولا وهم ناشء عن طغيان وزيادة على