معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 730
مؤهّل لها بخصائصه الفكريّة والنّفسيّة، وبما لديه من خلق عظيم، وإذعان للحقّ، وقدرة على ضبط نفسه عن الجنوح والميل إلى مراتع أهل الأهواء والشّهوات، ولا يعلم من هو مؤهّل إلّا العليم الخبير بخصائص النفوس وخباياها، وعواطفها، وحركاتها الإراديّة، وما فيها من مطالب وتطلّعات.
قول اللّه تعالى مبيّنا أنّ كلّ ما في الدّنيا من متاع يتقاتل النّاس عليه، ويتنافسون فيه، حقير لا قيمة له في الحقيقة، ولو لا أن يفتتن النّاس ويكفروا جميعا، لخصّ الكافرين به فجعل لهم أعظم ما في الدّنيا من متاعات وممتلكات وزينات وزخرف:
* وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) :
أي: ولو لا أن يفتتن أكثر النّاس بمظاهر الحياة الدّنيا وزيناتها، فيكونوا أمّة واحدة كافرة، لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن الممدّ بعطاءات رحمته، من أقلّ ما يسرّهم من دنياهم إلى أعظم ما يتقاتلون عليه، ويتنافسون فيه، أفخم المظاهر والزّينات والمتاعات، لكن لو فعلنا ذلك لافتتنوا فكفروا، إذ تدفعهم أهواؤهم وشهواتهم وحبّهم للتّفاخر والتّكاثر، فتوجّه إراداتهم الحرّة لطلب هذه المظاهر الخادعة الفاتنة، ولو كان الكفر بالرّحمن هو السّبيل الموصل إليها.
ولهذا لم نخصّ الكافرين بالتّفضيل بمظاهر الحياة الدّنيا وزيناتها، بل كلّا نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاءاتنا من الدّنيا، بحسب حكمتنا في امتحان عبادنا في رحلة الحياة الدّنيا دار الابتلاء.
* لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ: أي: لجعلنا للّذين يكفرون بالرّحمن، وخصّ هنا اسم"الرّحمن"من أسماء اللّه الحسنى بالذّكر، لأنّ عطاءات اللّه في الدّنيا من متاعاتها هي من تجلّيات اسمه"الرّحمن".