معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 742
لدعوة الحقّ عن طريق إرادتهم الحرّة بعد معالجتهم الطّويلة، لأنّهم بالنّسبة إليها بمثابة الصّمّ العمي:
* أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) ؟:
الخطاب في هذه الآية موجّه بأسلوب الخطاب الإفراديّ للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أوّلا، فلكلّ صالح للخطاب من المؤمنين الّذين يهتمّون بدعوة غير المسلمين إلى الدّخول في دين اللّه الحقّ.
وفي هذا الخطاب إشعار للجاحدين المعاندين، الّذين عرفوا الحقّ، ولم يستجيبوا للدّاعي إلى الحقّ، بعد معالجات مختلفات بأساليب الإقناع، والجدال بالّتي هي أحسن، والتّرغيب والتّرهيب، بأنّهم بمثابة الصّمّ العمي، المتوغّلين في ضلال مبين.
والاستفهام في هذا البيان، فيه معنى الإرشاد إلى توجيه جهاد الدّعوة لغير الميؤوس من استجابتهم عن طريق إراداتهم الحرّة. حرصا على عدم إنفاق طاقة المجاهدة فيما لا جدوى منه، وعلى توجيهها للّذين تلاحظ لديهم مخايل الاستجابة، أو للّذين لم يسبق أن عولجوا بأساليب الدّعوة علاجا طويلا، مقنعا بأنّهم ميؤوس من إصلاحهم عن طريق إراداتهم الحرّة.
أي: لا تحاول إسماع الصّمّ، وهداية العمي، وهداية من كان في ضلال مبين، سائر في سبل الضّلال بجحود ومكابرة ومعاندة للحقّ.
شبّه الّذين يدبرون ويتولّون عن استماع البيانات الدّاعيات إلى دين اللّه الحقّ، بالصّمّ، فأطلق عليهم أنّهم صمّ على سبيل الاستعارة.
وشبّه الّذين يدبرون ويتولّون عن تفهّم آيات اللّه المشهودة في كونه الدّالّات على طائفة من صفاته وأسمائه الحسنى، بالعمي، فأطلق عليهم أنّهم عمي على سبيل الاستعارة أيضا.