معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 23
الضّلال المراد هنا هو: الضّياع في المتاهات والمهالك والأعمال الباطلة وأنواع السّلوك الإجرامي.
ولمّا كان من الاعتراضات الّتي قد يوجّهها الّذين لا يستجيبون لدعوة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقولوا: لماذا أنزل القرآن باللّسان العربيّ، مع ادّعاء محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه رسول اللّه للنّاس أجمعين، أَليس من الأحسن أن ينزّل القرآن بلسان أعجميّ أوسع انتشارا في النّاس من اللّسان العربيّ، فقال اللّه عزّ وجلّ بضمير المتكلّم العظيم:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) :
أي: وما أرسلنا فيما سبق من تاريخ النّاس من رسول في قوم، هم قومه الّذين يتكلّم بلسانهم، ولديه استطاعة أن يبيّن لهم دين اللّه وما ينزّل إليه من آيات كتابه؛ ما أرسلناه إلّا بلسان قومه، ليبيّن لهم ألفاظ ومعاني ما أنزل اللّه من كتاب، وليبيّن لهم مطلوبات اللّه من عباده في الدّين الّذي اصطفاه للنّاس.
والمؤهّلون لحمل رسالته من قومه، من الّذين يستجيب منهم لدعوته، يقومون بتبليغ رسالته للأقوام الآخرين بلغاتهم وألسنتهم الّتي يتكلّمون بها، كما فعل رسل عيسى عليه السّلام السّبعون الّذين أرسلهم إلى الأقاليم في جهات الأرض، فخاطبوا النّاس بألسنتهم، ودعوهم إلى دين ربّهم، ببركة دعوة عيسى عليه السّلام لهم أن يتكلّموا بألسنتهم، وكما فعل الدّعاة المؤهّلون من قوم محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، إذ بلّغوا دين اللّه للنّاس بألسنتهم الّتي تعلّموها أو كان لديهم علم بها.
قول اللّه تعالى:
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ...: