فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 37
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:
أي: إنّ دعوتنا لكم ليست دعوة منّا، إذ نحن رسل ربّكم، فهي دعوة من ربّكم فاطر السّماوات والأرض، يدعوكم إلى الإيمان بالحقّ وإلى الإسلام له، وإلى سائر قضايا الدّين الّذي اصطفاه لعباده، ليغفر لكم من ذنوبكم الماضية ما يتعلّق بحقوقه عليكم، فإذا غفرها لكم حكم لكم بالهداية، فصرتم من مستحقّي دخول جنّته يوم الدّين، والخلود في سعادة أبديّة ونعيم مقيم.
أمّا الذّنوب الّتي تتعلّق بحقوق غير اللّه عليكم؛ فيطبّق عليكم فيها قانون العدل الرّبّاني، وهو القصاص أو مسامحة أصحاب الحقوق.
وبسبب إيمانكم وإسلامكم؛ يرفع عنكم ما تستحقّون من تعذيب وإهلاك مستأصل، ويؤخّر كلّا منكم إلى أجل بقائه في الحياة، المسمّى من قبل أن يخلق، والّذي يؤمر بكتابته الملك حين ينفخ فيه الرّوح وهو في بطن أمّه.
فكان من شأن أقوام الرّسل عليهم السّلام أن يتهرّبوا من الحوار حول الأصل الأوّل من أصول الدّين، ويفتعلوا حوارا حول عدم صلاحيّة البشر لأن يكونوا رسلا للّه فاطر السّماوات والأرض وكلّ ما فيهما:
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا: أي: والبشر لا يصلحون لأن يتلقّوا بيانات عن اللّه، ويكونوا رسلا للّه يحملون رسالة عنه إلى النّاس، وقد جاء في القرآن ردّ لهذا الاعتراض في عدّة سور، وعلى ألسنة عدد من الرّسل، وقد سبقت دراسة هذا الموضوع في ملحق خاصّ.