معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 72
التدبّر التحليلي:
بعض الأدعية الّتي دعا بها إبراهيم عليه السّلام قد جاء متأخّرا في آيات هذا الدّرس، مع أنّها متقدّمة زمنا على أدعية جاءت بحكمة اللّه متقدّمة في ترتيب آيات هذا الدّرس، إذ روعي في التّرتيب تقديم ما هو الأولى بالتّقديم بالنّسبة إلى المضمون الفكريّ الّذي دلّت عليه الآيات، فما يتعلّق بقضايا الدّين الكبرى قدّمت الآيات الدّالّات عليها، وما يتعلّق بشخص إبراهيم عليه السّلام وخصوص ذرّيّته ووالديه والمؤمنين أخّرت الآيات الدّالّات عليها.
فلنتابع تدبّر الآيات على وفق ترتيبها في النّصّ:
قول اللّه تعالى:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) :
أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقي لكلام ربّك أدعية إبراهيم- عليه السّلام- حين قال فيها:
أولا: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا: المراد بهذا البلد مكّة المكرّمة، زادها اللّه تشريفا وتعظيما.
دلّ هذا الدّعاء على أنّ إبراهيم عليه السّلام كان فيها حين دعا هذا الدّعاء، إذ قال: هَذَا الْبَلَدَ. وقد استجاب اللّه دعاء إبراهيم عليه السّلام، فجعل مكّة بلدا آمنا بحكم الشّرع، وآمنا من الكوارث الكبرى كالزلازل والبراكين ونحوهما، وحين أراد أبرهة بمكّة شرّا أهلكه اللّه وأهلك جيشه، وسلّم مكّة من شرّهم.
ثانيا: ... وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) : أي: ونحّني وأبعدني، ونحّ بنيّ وأبعدهم عن أن نعبد الأصنام.