معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 91
ومن غيره، أو من الصّورة العامّة دون تقابل مفردات بالمشبّه بمفردات في المشبّه به.
ومن تشبيه (التّمثيل) في هذه السورة ما يلي:
المثال الأوّل: قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18) . وفي القراءة الأخرى: [اشتدّت به الرّياح] .
في هذه الآية تشبيه مأخوذ من متعدّد بين المشبّه والمشبّه به، فالمشبّه أعمال الّذين كفروا الّتي قاموا بها، وأعدّوا بها وسائلهم، لمقاومة دعوة الحقّ الرّبّانيّة، والتّخلّص من رسل اللّه عليهم السّلام، ومن الّذين آمنوا بهم واتّبعوهم؛ بقوم أوقدوا نارا عظيمة ليحرقوا بها قرى، ومدنا، ومصانع، وجنّات، وثروات، وبشرا، فأطفأ اللّه نارهم، وجعل حطبهم رمادا، ثمّ أرسل اللّه عزّ وجلّ ريحا عاصفة من جهات مختلفات، فدخلت قويّة شديدة في الرّماد فاحتملته ووزّعت ذرّاته بعنف في جهات متباعدات من شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، فلا أحد يستطيع من أصحاب الرّماد أن يلتقط منه شيئا.
وكذلك أعمال الّذين كفروا لمقاومة دعوة رسل اللّه عليهم السّلام؛ أحبطها اللّه وبدّدها، فهم لا يقدرون على استعمال شيء ممّا سبق أن كسبوه بأعمالهم من وسائل.
وذلك الأمر الّذي دعاهم إلى مقاومة دعوة رسل اللّه عليهم السّلام، وخيبتهم في كلّ أعمالهم، وإهلاك اللّه لهم بعذاب شديد في نهاية الأمر؛ هو الضّلال البعيد جدّا عمّا يحقّق لهم النّجاة، وما كانوا يطمعون به للذّاتهم، وشهواتهم، ومتاعاتهم من الحياة الدّنيا.