معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 92
المثال الثاني: قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) :
في هذا النّصّ تشبيهان هما من تشبيه (التّمثيل) إذ وجه الشّبه منتزع من متعدّد.
فالتّشبيه الأوّل: هو تشبيه كلمة طيّبة بشجرة طيّبة أصلها ثابت متغلغل الجذور في الأرض.
فالكلمة الطّيّبة الّتي تدلّ على حقّ مؤيّد بالبرهان، أو تهدي إلى خير أو فضيلة، أو عمل صالح يرضي اللّه عزّ وجلّ، مثل كلمة: لا إله إلّا اللّه؛ هي ذات أصل ثابت، إذ لها جذور كجذور الشّجرة الطّيّبة، وهذه الجذور متغلغلة في حقائق العلم الرّبّاني، ولها فرع صاعد في سلوك المؤمن بها.
فهي كشجرة طيّبة، إذ لها أصل ثابت في الأرض ذو جذور متغلغلة في الأعماق، تمتصّ الغذاء للشّجرة من الماء والتراب، فيصعد بخلق اللّه حتّى يصل إلى كلّ ذرّة من ذرّات الشّجرة، فهي تؤتي ما يؤكل منها من ثمرات، كلّ حين من فصول إنتاجها بإذن ربّها.
والنّخلة هي أولى الشّجرات بالمثل في بلاد العرب إبّان التّنزيل.
والتّشبيه الثّاني: هو تشبيه كلمة خبيثة بشجرة متخيّلة خبيثة، قطعت قطعا كاملا من فوق الأرض، فما لها مكان تستقرّ فيه، وليس لها ما يغذّيها لنماء أو ثمر، وليس فيها نفع لذي حياة، بل هي ضارّة سامّة خبيثة.