معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 139
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ....
الخطاب هنا موجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم لكل داع إلى اللّه من أمّته على سبيل الخطاب الإفرادي.
فَأَعْرِضْ: الإعراض حالة وسطى بين الإقبال والإدبار، وأصل الإعراض إعطاء الجانب، وعارضا الإنسان صفحتا خدّيه.
تَوَلَّى: يأتي بمعنى"أدبر"وبمعنى"نأى"والمعنى الأوّل هو الملائم هنا.
واللّه عزّ وجلّ يوصي رسوله وكلّ داع إلى اللّه من أمّته على سبيل الخطاب الإفرادي، بأن يقتصر على الإعراض عمّن أدبر عن ذكر اللّه، أي:
أدبر عن الاستجابة لدعوة الدّاعي إلى اللّه، ولدعوة كتابه المنزّل الذي هو ذكر اللّه الشامل لكلّ مسائل الدّين وقضاياه الكبرى.
وهذا أحد مناهج الدعوة إلى اللّه، فالمطلوب من الداعي أن لا يقابل المدعوّ بمثل عمله إذا أدبر، بل يقتصر على مجرّد الإعراض إذا هو أدبر، ويفهم من هذا أنّ المدعوّ إذا أعرض فإنّ الدّاعي لا يعرض عنه، بل يعمل على دعوته بالمواجهة أو بنصف المواجهة.
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا: أي: ولم يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء بالثواب أو بالعقاب، وبسبب ذلك لم يرد إلّا متاع الحياة الدّنيا ولذّاتها وزيناتها، فهو يكدح لتحقيق مراداته منها، غير عابئ بدعوة الداعي، ولا بما في القرآن من ذكر ربّانيّ.
والمراد باسم الموصول في عبارة: [عمّن تولّى] كلّ من يتولّى عن ذكر اللّه والتذكير به، ولهذا جاء ذكرهم بصيغة الجمع في قوله تعالى:
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فأبان عزّ وجلّ أنّ سبب عدم إرادتهم إلّا متاع الحياة