معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 140
الدنيا، أنّ مبلغهم من العلم منحصر في حدود دائرة الحياة الدنيا، فهم يتعلّقون بها فقط، فقال تعالى:
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ: أي: ذلك الّذي لم يريدوا غيره هو الغاية الّتي بلغ علمهم إليها، إذ رفضوا الإيمان بيوم الدّين وكذّبوا بالأخبار الرّبّانيّة المنزّلة على رسوله محمّد وعلى سائر رسله من قبله، التي تتضمّن نبأ البعث إلى الحياة بعد الموت، ونبأ يوم الدين، وأنباء الدار الآخرة وما فيها من نعيم خالد في جنّات النعيم، وما فيها من عذاب أليم في دار العذاب، النّار المعدّة للمجرمين والعصاة، فاقتصر علمهم عند حدود الحياة الدّنيا.
مبلغ العلم: هو الغاية الّتي يصل إليها العلم: يقال لغة: بلغ الأمر، إذا وصل إلى غايته، ومبلغ الشيء هو الغاية الّتي يتوقّف الشّيء عندها.
خلاصة هذا التعليم من عناصر منهاج الدعوة إلى اللّه
يبيّن اللّه عزّ وجلّ لرسوله ولكل داع إلى اللّه من أمّته في هذا التعليم، أنّ من لم تؤثّر فيه من المدعوّين أفرادا أو جماعات كلّ الحجج والبيّنات والمناظرات وأساليب الإقناع والتربية، مع تنويع الأساليب الفكريّة والنّفسيّة المختلفة، وتصريف الأدلّة والحجج والبراهين، وتبيّن أنّه مع كلّ مراحل المعالجات السّالفات لم يرد إلّا الحياة الدّنيا ومتاعها، إذ لم يؤمن بالآخرة وما فيها، فلم يعبأ بالترغيبات والترهيبات الأخرويّة، وأصرّ على موقفه العناديّ، فالحكمة تقتضي الإعراض عنه، وتوصيل البيانات الرّبّانيّة له دون مواجهة، توفيرا للوقت والجهد، مع شغلهما بمن لم يصل بعد إلى هذا المستوى من الإصرار العنادي المكذّب بالآخرة، دون اهتمام إلّا بمتاع الحياة الدنيا.
وقد وضع النصّ القرآنيّ لهذا الإعراض قيدا، وهو أن يتأكّد الداعي أنّ المتولّي المدبر لم يرد إلّا الحياة الدنيا، ويظهر ذلك إذا حصلت معالجته