معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 141
عدّة مرّات في أوقات مختلفات، فتبيّن من خلالها أنّه لم يرد في كلّ معالجاته إلّا الحياة الدّنيا، إذ هو كافر بالآخرة وما فيها، فاقتصر علمه على ظاهر من الحياة الدنيا، ولهذا وصف اللّه عزّ وجلّ الكافرين بقوله في سورة (الرّوم/ 30 مصحف/ 84 نزول) :
يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8) .
* قول اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) .
بعد أن أمر اللّه رسوله وكلّ داع إلى اللّه من أمّته بأسلوب الخطاب الإفراديّ، بأن يعرض عمّن تولّى عن ذكر ربّه، ولم يرد إلّا الحياة الدنيا، أبان جلّ جلاله أنّه أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وأعلم بمن اهتدى، أي:
وبما أنّه أعلم بحقيقة من ضلّ عن سبيله ضلالا ميؤوسا في الغالب من إنقاذ صاحبه منه، إذ هو مبنيّ على إرادة جازمة منه، سببها أنّه لا يريد إلّا الحياة الدّنيا، فهي غاية ما بلغ إليه علمه، إذن فتوجيه اللّه عزّ وجلّ الدّاعي للإعراض عن المتولّي عن ذكر ربّه هو الأمر الحكيم، إذ هو الموافق لمقتضى علم اللّه بالناس وبنفوسهم، وبأسباب الضلالة وأسباب الهداية ومسبّباتهما في نفوس الناس.
وبعد هذا أبان اللّه عزّ وجلّ الغاية من رحلة الحياة الدّنيا، وهي الابتلاء الذي يعقبه الجزاء يوم الدّين.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)
أي: إنّ الغاية من خلق النظام الكوني كلّه، بسماواته وأرضه وما