فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 217
الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) :
فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ الّذي شرعه من الدّين للمؤمنين المسلمين في الرّسالة الخاتمة؛ شامل ما وصّى به نوحا عليه السّلام، وما وصّى به إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام، ولكن أضاف إلى ما وصّى به نوحا عليه السّلام ما أوحاه إلى محمّد خاتم المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم، فخصّه فيه بزيادات على ما أوصى به نوحا عليه السّلام، مع شموله ما وصّى به إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام، ويظهر أنّ اللّه قد خصّ إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السّلام بالذّكر، إذ خصّ كلّا منهم بوصايا فيها زيادات على ما جاء عند غيره من الرّسل عليهم السّلام. أمّا رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد جمع اللّه له كلّ ما أوصى به رسله عليهم السّلام، وزاده ما أوحاه اللّه إليه على وجه الخصوص.
ونوصيكم أيّها النّاس في الرّسالة الخاتمة بأن تقيموا الدّين بالمواظبة على ما أمركم ربّكم فيه، وأن تجعلوه مستقيما على صراط ربّكم، ونوصيكم بأن لا تتفرّقوا فيه إلى أحزاب وفرق ومذاهب.
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ...: أي: كبر على نفوس قومك يا محمّد أن يستجيبوا لما تدعوهم إليه، وشقّ وثقل عليهم تحمّله إذ رأوه شيئا كبيرا.
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ...: أي: اللّه يصطفي مقرّبا إليه من يشاء من عباده، ومعلوم أنّ مشيئته لا تفارق حكمته، فمن يعترض من المشركين على اجتباء اللّه رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم فهو جاهل بحكمة ربّه أو جاحد لها.
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) : أي: ويهدي إلى سلوك السّبيل الموصل إلى رضوانه ومنازل القرب إليه من يرجع إلى طاعته والخضوع له آنا فآنا.