فهرس الكتاب

الصفحة 8445 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 219

هذا الموقف الإيمانيّ العظيم، من إبراهيم عليه السّلام ومن الّذين معه، المقرون بصلابة جهاديّة وقوّة عزيمة؛ موقف يستحقّ أن يجعل المتّصفين به قدوة حسنة لكلّ المؤمنين من بعدهم. فأوصى اللّه المؤمنين المسلمين في الرّسالة الخاتمة بأن يتّخذوا إبراهيم عليه السّلام والّذين معه أسوة حسنة لهم في هذا الموقف الإيمانيّ الجهاديّ العظيم. وكان هذا بعد أن هاجر الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، وبدت بين المسلمين وبين مشركي مكّة العداوة والبغضاء، وقامت بينهم حروب وغزوات، وصارت للمسلمين دولة بقيادة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم يكن ذلك حين كان المسلمون في مكّة ضعفاء وتحت سطوة قوّة المشركين، واضطّهادهم لهم.

ولئلّا يقتدي المسلمون بالخطأ الّذي وقع به إبراهيم عليه السّلام، إذ وعد أباه أن يستغفر له مع أنّ أباه كان كافرا لم يستجب لدعوة ولده له أن ينبذ الشّرك والأصنام، ويؤمن باللّه وحده لا شريك له في ربوبيّته ولا في إلهيّته؛ قال اللّه عزّ وجلّ لهم:

إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ...: أي: فلا تقتدوا به في هذه أخذا بعموم توصيتنا لكم بالاقتداء به، فنحن لا نبيح لمؤمن أن يستغفر لكافر.

وفي النّصّ على هذا الحكم قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (التوبة/ 9 مصحف/ 113 نزول) :

ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) :

أي: ما كان مباحا للنّبيّ ولو كان نبيّا، وما كان مباحا للّذين آمنوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت