معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 236
جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكّة، فرأوا طيرا عائفا، فقالوا: إنّ هذا الطّائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا.
قال: وأمّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟.
فقالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم.
قال ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما-: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
"فألفى ذلك أمّ إسماعيل وهي تحبّ الأنس".
فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتّى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبّ الغلام وتعلّم العربيّة منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلمّا أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أمّ إسماعيل.
فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثمّ سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرّ، نحن في ضيق وشدّة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك، فاقرئي عليه السّلام، وقولي له يغيّر عتبة بابه.
فلمّا جاء إسماعيل كأنّه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟.
قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جهد وشدّة، قال: فهل أوصاك بشيء؟. قالت:
نعم، أمرني أن أقرأ عليك السّلام، ويقول: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك