معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 273
بالقرآن الّذي يوحي اللّه به إليه، وجحدوا الحقّ الجليّ الّذي اشتمل عليه دين اللّه للنّاس أجمعين:
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10) :
أي: أقسم لكم محقّقا أنّ الكتاب الّذي نوحي بآياته وسوره إلى رسولنا محمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم-؛ هو آية عظمى أجلّ من الآيات المادّيّة الّتي تطالبون بأن يؤتى محمّد- صلّى اللّه عليه وسلّم- مثلها. فهم هذا من الرّبط بين هذه الآية وبعض ما جاء في الدّرس الأوّل من السّورة.
وأقسم لكم محقّقا أنّا أنزلناه إليكم لخيركم ففيه ذكركم، أي: فيه من الحقائق والهداية إلى سعادة النّاس ما يوجب عليكم أن تتدبّروه، وتحفظوا معانيه في ذاكراتكم، وتستدعوا منها عند كلّ مناسبة ما يلائمها للعمل به، والاهتداء بهديه. وفيه شرف عظيم لكم، إذ أنزل بلغتكم وعلى رسول هو منكم، لغة ونسبا، فهو من قريش، فلماذا لا تفتخرون به وبالكتاب الّذي أنزل عليه؟.
أَفَلا تَعْقِلُونَ (10) : أي: أغلبتكم أهواؤكم، ودوافع كبركم، وتقاليدكم العمياء، ونفوركم من الالتزام بدين اللّه الّذي اصطفاه لعباده في رحلة امتحانهم، فجعلكم ذلك لا تعقلون عقلا علميّا حقائق هذا الدّين، ولا تعقلون نفوسكم عقلا إراديّا عن اتّباع أهوائها وشهواتها وكبرها وتقاليدها العمياء.
قول اللّه تعالى يلوّح بإنذار المعالجين بتعذيبهم وإهلاكهم:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (15) :