معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 274
"كم"هنا خبريّة تدلّ على عدد كثير مبهم القدر والجنس، ولذلك فهي تحتاج إلى تمييز، وتمييزها هنا: مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً.
قَصَمْنا: أصل القصم: الكسر الّذي يحصل فيه انفصال، ويستعمل القصم بمعنى الإهلاك، وهذا المعنى هو المراد هنا.
والمراد ب قَرْيَةٍ: أهلها وسكّانها، وهو مجاز مرسل من إطلاق المحلّ وإرادة الحالّ به.
أي: وعددا كثيرا من القرى قصمناها قصم تعذيب وإهلاك مستأصل، وهذه القرى كانت ظالمة ظلما شنيعا من دركة الكفر العناديّ الجحودي، المصحوب بالكيد الشّديد ضدّ دعوة الحقّ الرّبّانيّة، وضدّ رسل اللّه عليهم السّلام والمؤمنين بهم، كحال كفّار مكّة وما حولها إبّان التّنزيل، المعنيّين بالعلاج في السّورة.
وبعد أن أهلكنا هذه القرى إهلاك استئصال؛ أنشأنا قوما آخرين، حلّوا أماكن المهلكين، من سلالات أقوام لم يهلكوا، إذ لم تدع الحكمة إهلاكهم.
الإنشاء: الإحداث المصحوب بالتّكامل المتدرّج غالبا.
أمّا الكفّار سكّان القرى الّتي صدر الأمر الرّبّانيّ بتعذيبهم وإهلاكهم، فإنّهم لمّا أحسّوا بأنّ عذاب اللّه الشّديد تقبل وسائله نحوهم، ونحو قراهم، صاروا يركضون هربا من قراهم ومساكنهم في كلّ اتّجاه، خوفا من أن تحلّ عليهم المعذّبات المهلكات، وكان هربهم هذا مفاجئا.
البأس: شدّة العذاب، والحرب.
الإحساس: الإدراك بالحواسّ أو بعضها، وهي حواسّ البصر والسّمع، واللّمس، والشّمّ، والذّوق.