معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 275
فيقال لهم بلسان حال القدر والقضاء، الّذي يجري تنفيذه بالقهر الرّبّانيّ: لا تركضوا هربا من عذاب ربّكم وإهلاكه لكم، فأنتم هالكون لا محالة.
ويقال لهم أيضا على سبيل التّهكّم: وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ: أي: ولن تستطيعوا إذا نزل بكم عذاب ربّكم وإهلاكه لكم، أن ترجعوا لأنّكم ستكونون هلكى.
المترف: الكثير الاستمتاع بما أنعم اللّه به عليه من متاعات الحياة الدّنيا.
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) : استكمال لعبارة التّهكّم، أي: ولن تسألوا عن سبب ما نزل بكم من تعذيب لكم، وتدمير لمساكنكم ولكلّ ما أترفتم فيه، لأنّكم واقعون في قبضة التّعذيب والإهلاك الرّبّانيّة، فلا تسألون عن شيء ولا تجيبون على شيء.
ويكون قولكم الّذي تردّدونه اعترافا بجرائمكم: إنّا كنّا ظالمين، وبسبب ظلمنا الشّديد، من دركة الكفر العنيد؛ يعاقبنا اللّه جل جلاله بتعذيب وإهلاك مستأصل.
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (15) :
يا وَيْلَنا: عبارة ندبة تحمل معنى التّفجّع، والتّحسّر، والحزن، والتّوجّع، كأنّهم يقولون: يا عذابنا الشّديد؛ هل من الممكن أن تنصرف عنا، إذا اعترفنا بجرائمنا قائلين: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ: أي: فما زالت عبارة: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ دعاءهم الّذي يكرّرونه، يستعطفون به ربّهم أن يرفع ما أنزل بهم باعترافهم بأنّهم كانوا ظالمين، ولكن بعد بدء نزول العقاب الرّبّانيّ لا يرفع عقابه الدّعاء.