معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 298
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى خطابا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وإسماعا لمتربّصي موته من أئمّة المشركين إبّان التّنزيل بضمير المتكلّم العظيم:
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) . وفي قراءة يعقوب: [ترجعون] .
دلّ ما جاء في الآية (34) على أنّ أعداء الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، من أئمّة أهل الشّرك والكفر في مكّة إبّان التّنزيل؛ صارت نفوسهم تحدّثهم بأن ينتظروا موته، فإذا مات تخلّصوا من دعوته، ومن الدّين الجديد الّذي جاءهم به، وفرّق به اجتماعهم على الشّرك ولوازم الشّرك في السّلوك.
فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية كاشفة لهم وللمسلمين ما تحدّثهم به نفوسهم، مع العلاج المناسب لهذه الحالة الّتي كانوا عليها إبّان تنزيل سورة (الأنبياء/ 73) .
ثمّ صاروا يتحدّثون صراحة بهذه الأمنية إبّان نزول سورة (الطور/ 52 مصحف/ 76 نزول) ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيها قوله:
أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) .
وقد جاء العلاج في سورة (الأنبياء/ 73 نزول) ببيان أنّ الرّبّ بحكمته- جلّ جلاله وعظم سلطانه- قضى أن يجعل الحياة الدّنيا للامتحان، وأن تكون قصيرة للممتحنين، وأن تنتهي بالموت، وأن تكون بعدها رجعة إلى حياة الخلود، وفي هذه الحياة الأخرى يكون الحساب، وفصل القضاء وتحقيق الجزاء، على ما قدّم الممتحنون في الحياة الدّنيا من عمل صالح فيه طاعة للّه، أو عمل فاسد فيه معصية للّه.