معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 315
للمتّقين، وكذلك أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ذكرا مباركا ثرّ المعاني والدّلالات، وخاطب المكذّبين الكفرة بقوله: ... أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) ؟!: دون أن يكون لكم عذر في هذا الإنكار، وقد سبقه التوراة الّتي أنزلها على موسى- عليه السّلام-، وأنتم معترفون بهذه الحقيقة، وتذكرون أنّ موسى وهارون- عليهما السّلام- رسولان أرسلهما اللّه إلى بني إسرائيل، وأنزل عليهما كتابا فيه التّعاليم الدّينيّة، وفيه ما يجب على المؤمنين بموسى وهارون- عليهما السّلام- أن يؤمنوا به، وأن يعملوا به طاعة لربّهم.
قول اللّه تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) :
وَلَقَدْ: الواو عاطفة موضوع على موضوع، و"اللّام"واقعة في جواب قسم منوي، و"قد"حرف تحقيق، وهذا التّوكيد يلائم حال مكذّبي الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، المكذّبين بما أنزل اللّه عليه من القرآن المجيد.
آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ: أي: آتيناهما بعظمة ربوبيّتنا عن طريق الوحي.
الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) ، ذكر اللّه عزّ وجلّ كتاب التّوراة بأوصاف وصفه بها، وهي هنا ثلاثة أوصاف:
الصّفة الأولى: أنّه"فرقان"، وهذا اللّفظ مصدر"فرق"، يقال لغة:
"فرق بين الشّيئين أو الأشياء، يفرق، فرقا، وفرقانا"أي: فصل مميّزا بينهما. ويقال:"فرق بين الخصمين"أي: حكم وفصل.
وقد وصف اللّه عزّ وجلّ كتاب التوراة بأنّه فرقان، لأنّه يفرق بين الحقّ والباطل، والخير والشّرّ، والهدى والضّلال، والرّشاد والغيّ، والحلال والحرام، وسائر أحكام دين اللّه لعباده المطالبين بالعمل بما جاء فيه.