معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 316
الصّفة الثّانية: أنّه"ضياء"، أي: له نور يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، لمعرفة صراط اللّه المستقيم.
ونستفيد من كونه ضياء أنّ فيه أنوار علم تهدي إلى الحقّ وصراط اللّه المستقيم، وأنّ فيه حرارة إنذار بعذاب اللّه الأليم، للكفرة المكذّبين المعرضين. فالضّياء فيه نور وحرارة، ولهذا سمّى اللّه عزّ وجلّ الشّمس ضياء، وسمّى القمر نورا.
الصّفة الثّالثة: أنّه"ذكر"، أي: يجب أن يتبلّغه المأمورون بأن يحملوه ويأخذوه بقوّة، وأن يتفهّموا معانيه ويتدبّروها، وأن يضعوها في ذاكراتهم، وأن يتذكّروا منها في كلّ مناسبة ما يلائمها، للعمل بها طاعة للّه، وسعيا لنيل رضوانه.
وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ الّذين استفادوا من كون كتاب التوراة فرقانا، وضياء وذكرا؛ هم المتّقون، فقال تعالى:
لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) :
المتّقون: هم الّذين يجعلون بينهم وبين عقاب اللّه وعذابه وقاية من الإيمان والإسلام والطّاعة، بفعل ما أمر اللّه به وترك ما نهى اللّه عنه، فيقيهم اللّه عقابه وعذابه، ويجزيهم بالخلود في جنّات النّعيم سعداء منعّمين.
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ: هم الّذين يخافون عقاب ربّهم وعذابه وهو بالغيب بالنّسبة إلى حواسّهم الظّاهرة، لكنّهم موقنون بذاته وبصفاته الحسنى، من أدلّة الفكر السّديد، والعقل الرّشيد، وخوفهم من عذاب ربّهم وعقابه ممزوج بإجلاله وإعظامه وإكباره وحبّه، فالخشية من اللّه في الاستعمال القرآنيّ فيها الدّلالة على هذه المعاني.